تحدّيات التنمية أمام العهد الجديد

في الأدبيات الاقتصادية المعاصرة، أصبح من النافل الشرح أن النيوليبرالية (الاقتصادية تحديداً وبقيادة ريغان وتاتشر) انتصرت مع سقوط جدار برلين عام 1990، ودخل العالم بعدها في عصر ما أصبح يُعرف بنهاية التاريخ الذي نظّر إلى أن النيوليبرالية هي خلاصة التجربة البشرية والحضارية التي لا يمكن لأي فلسفةٍ اقتصادية استبدالها بعد ذلك.
في هذه المدة بالذات، انتهت الحرب اللبنانية بالتوقيع على اتفاق الطائف، ودخل لبنان في عصر استقرار امتد لـ 15 سنة، كان من عناوينه الأساسية اعتماد النيوليبرالية كفلسفةٍ تقوم على تخصيص المرافق الأساسية (وهذا ما لم يحصل)، تخفيض الضرائب على الشركات، واعتماد موازنات مالية بعجزٍ مرتفع غير مسبوق، يتم تمويله بالاستدانة محلياً ودولياً.
حصل أيضاً تحوّلٌ مهم في فلسفة المدارس الاقتصادية التي كانت سائدةً في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، عندما كانت الحكومات تحرص على تحقيق فائضٍ مالي باعتباره مؤشر قوة للاقتصاد والدولة، وصولاً إلى التسعينيات حيث ظهرت مدارس جديدة معاكسة تعتبر أن العجز المالي ضرورة لا غنى عنها للنمو الاقتصادي، كما حصل مع الولايات المتحدة ابتداءً من منتصف الستينيات إلى اليوم. وهذه الظاهرة بالذات هي لبّ الفلسفة النيوليبرالية التي اعتنقتها جميع الحكومات اللبنانية ما بعد الطائف حتى الآن (باستثناء حكومة عمر كرامي في أواخر عام 2004 التي حققت فائضاً مالياً للمرة الأولى).
لكن ما نجح في أميركا (مع أنها تدفع ثمن سياساتها المالية اليوم) ليس بالضرورة أن ينجح في لبنان، بل إن العكس هو ما حصل. وهذا ما يشرحه وزير المالية اليوناني الإصلاحي السابق يانيس فاروفاكيس حين يقول إنّ «الاقتصاد على درجةٍ من الأهمية لدرجةٍ لا يمكن أن نتركه بين أيادي الاقتصاديين لوحدهم»، أي إن الاقتصاد لا يمكن اختزاله بمعادلات رياضية يمكن تطبيقها مجردةً من ارتباطها بالسياق السياسي أو الاجتماعي لمجتمع ما، ولذلك فإن ما ينطبق على أميركا أو بريطانيا (حيث تنشأ النظريات الاقتصادية) لا يمكن تطبيقه على لبنان، لأسباب بنيوية عدة.
ربما أصبح اليوم واضحاً للجميع في لبنان (في ما يُعرف بما بعد حصول الحدث hindsight) أن أزمته المركّبة (الاقتصادية/ المالية) التي أسهمت في الوصول إلى انهيار عام 2019، لم تكن إلا نتيجةً للسياسات المالية التي تم اعتمادها، وتفوق بأهميتها مساهمة الفساد المالي القائم على الصفقات والمحاصصة. فالأرقام توضح (ولا مجال لذكرها هنا) أن العبء المالي الناتج من خدمة الدين فاق بأشواط الهدر المالي الناتج من الصفقات والتلزيمات الزبائنية.
النقطة الفائقة الأهمية في الموضوع السنغافوري هي ما لا يعرفه اللبنانيون ولا يردّدونه وهو أن البرلمان السنغافوري أقر قانوناً عام 1992 (أي مباشرةً بعد انتصار النيوليبرالية العالمية) يحدّ فيه من قدرة أي حكومة على الاستدانة
لا بل يمكن المحاججة (على عكس القناعات البديهية) بأن السياسة المالية القائمة على الاستدانة من دون سقوف لغرض الاستهلاك وشراء ذمم الأزلام والمناصرين، هي التي تنتج الفساد وليس العكس. ولو لم يكن في استطاعة الحكومات الاستدانة المفتوحة، لما استطاعت القوى السياسية المسيطرة (التي يتم وصفها اليوم بالمنظومة) أن تحكم قبضتها على جميع مرافق الحياة اللبنانية.
وهنا تلفتني الكليشيهات اللبنانية التقليدية التي تقف مشدوهةً بإعجاب أمام تجارب بعض الدول الأخرى كسنغافورة، فتردّد قول رئيس الوزراء السنغافوري الراحل «لي كوان يو»، في معرض حديثه عن الفساد: «تنظيف الدرج يبدأ من الأعلى إلى الأسفل» (ولا أعلم إن كان هذا القول له فعلاً أم لا) معتبرةً أن ما يحتاجه لبنان هو قائدٌ فذّ مخلّص (على الطريقة الشرقية) يبدأ بتنظيف الإدارة ويقطع رأس الأفعى من فوق، حتى يتم انتظام البلد وتقدّمه (في المناسبة، فإن غالبية مَن يردّدون تلك المقولات لا يعلمون أن سنغافورة كانت منذ تأسيسها دولةً بوليسية بامتياز، لا مكان فيها للديموقراطية، ولا صحافة حرة فيها، بل إن الصحافي الذي كان ينتقد الحكومة يتم سجنه فوراً. ولا تزال حتى اليوم تحت سلطة الحزب الحاكم منذ إنشائها).
لكن النقطة الفائقة الأهمية في الموضوع السنغافوري هي ما لا يعرفه اللبنانيون ولا يردّدونه، وهو أن البرلمان السنغافوري (التابع بمعظمه للحزب الحاكم) أقر قانوناً عام 1992 (أي مباشرةً بعد انتصار النيوليبرالية العالمية) يحدّ فيه من قدرة أي حكومة على الاستدانة، وذلك بمنعها بتاتاً من الاقتراض لتمويل النفقات التشغيلية، وبفرض سقفٍ معين على الاستدانة لغرض الاستثمار في مشاريع إستراتيجية، بعد خضوعها لشروطٍ دقيقة وواضحة لجهة الجدوى الاقتصادية لتلك المشاريع. وتقوم فلسفة هذا القانون على أنه لا يحق لأي حكومة، بما أنها ظرفية (أي إنها تحكم لوقت محدود من الزمن)، أن تحمّل الحكومات اللاحقة، وبالتالي الأجيال المستقبلية، أعباء مالية لغرض تمويل الاستهلاك في الوقت الحاضر.
وبالروحيّة نفسها، فإنّ الحكومة الحالية تستطيع إصدار سندات خزينة محددة بغرض تمويل مشاريع اقتصادية تستفيد منها الأجيال الحالية واللاحقة، وبهذا يتحقق توازن الأعباء عبر الأجيال. إضافة إلى ذلك، فإنّ القانون يدفع الحكومات ضمنياً نحو التخطيط على المدى الطويل، فيصبح الحكم، بالفعل لا بالقول فقط، عمليةً مستمرة ومترابطة عبر الزمن. كما يدفعها نحو تحقيق التوازن المالي في موازناتها السنوية بما لا يدع مجالاً لزيادةٍ عشوائية في النفقات العامة التشغيلية إلا بعد إيجاد مصادر لوارداتٍ تتأتى عبر تحسين الجباية الضريبية أو زيادة الضرائب.
وبفضل ذلك القانون الذي أُقرّ منذ أكثر من 40 عاماً ولا يزال يثبت جدواه حتى يومنا هذا، تتمتع سنغافورة اليوم بصفر دين عام صافٍ (أي إن قيمة أصول الدولة وصناديقها أعلى من الدين العام).
وبالعودة إلى لبنان، فإنّ قانوناً كهذا لا يُرسي فقط مبادئ الاستقرار المالي للمرحلة المقبلة، التي من المتوقع أن تمتد لمدة 6 سنوات، بل إنه يُعيد الثقة (من دون إغفال قضية حقوق المودعين) للمستثمرين بضخ الأموال مجدداً في شريان الاقتصاد اللبناني وقطاعه المصرفي، لعلمهم أن الدولة لن تعود إلى سابق ممارساتها. كما أن ذلك سيفتح المجال للقطاع الخاص بالاقتراض من المصارف بفوائد منخفضة من دون منافسة الدولة له، ما سيطلق الحركة الاقتصادية المنتجة فعلياً.
فهل يرسي الثنائي جوزف عون - نواف سلام مبادئ سليمة لانطلاقة صحيحة للعهد، أم سيستمران في السياسات السابقة تحت ضغط قوى الأمر الواقع المتمثلة بالمصالح التاريخية للمستفيدين والمنتفعين من السلوكيات القديمة؟
* باحث لبناني
